ابن قيم الجوزية

413

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

طائفة ظنتها طريقا ومقاما ، فعملوا عليها . فمنهم من انقطع . ومنهم من رجع ولم يمكنه الاستمرار عليها ، بل انقلب على عقبيه . وطائفة قدحوا في أربابها . وجعلوهم مخالفين للشرع والعقل . مدعين لأنفسهم حالا أكمل من حال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأصحابه ، إذ لم يكن فيهم أحد قط يفعل ذلك . ولا أخل بشيء من الأسباب . وقد ظاهر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بين درعين يوم أحد . ولم يحضر الصف قط عريانا . كما يفعله من لا علم عنده ولا معرفة . واستأجر دليلا مشركا على دين قومه ، يدله على طريق الهجرة . وقد هدى اللّه به العالمين . وعصمه من الناس أجمعين . وكان يدخر لأهله قوت سنة وهو سيد المتوكلين . وكان إذا سافر في جهاد أو حج أو عمرة حمل الزاد والمزاد . وجميع أصحابه . وهم أولو التوكل حقا ، وأكمل المتوكلين بعدهم : هو من اشتم رائحة توكلهم من مسيرة بعيدة ، أو لحق أثرا من غبارهم . فحال النبي صلى اللّه عليه وسلم وحال أصحابه محك الأحوال وميزانها . بها يعلم صحيحها من سقيمها . فإن هممهم كانت في التوكل أعلى من همم من بعدهم . فإن توكلهم كان في فتح بصائر القلوب . وأن يعبد اللّه في جميع البلاد ، وأن يوحده جميع العباد ، وأن تشرق شموس الدين الحق على قلوب العباد فملؤوا بذلك التوكل القلوب هدى وإيمانا . وفتحوا بلاد الكفر وجعلوها دار إيمان . وهبت رياح روح نسمات التوكل على قلوب أتباعهم فملأتها يقينا وإيمانا . فكانت همم الصحابة - رضي اللّه عنهم - أعلى وأجل من أن يصرف أحدهم قوة توكله واعتماده على اللّه في شيء يحصل بأدنى حيلة وسعي . فيجعله نصب عينيه ، ويحمل عليه قوى توكّله « 1 » . قوله : « وقمعا لشرف النفس » يريد : أن المتسبب قد يكون متسببا بالولايات الشريفة في العبادة ، أو التجارات الرفيعة ، والأسباب التي له بها جاه وشرف في الناس . فإذا تركها يكون تركها قمعا لشرف نفسه ، وإيثارا للتواضع . وقوله : « وتفرّغا لحفظ الواجبات » أي يتفرغ بتركها لحفظ واجباتها التي تزاحمها تلك الأسباب . واللّه أعلم . قال : « الدرجة الثالثة : التوكل مع معرفة التوكل ، النازعة إلى الخلاص من علّة التوكل . وهي أن يعلم أن ملكة الحق تعالى للأشياء هي ملكة عزة . لا يشاركه فيها مشارك ، فيكل شركته إليه . فإن من ضرورة العبودية : أن يعلم العبد : أن الحق سبحانه هو مالك الأشياء وحده » . يريد أن صاحب هذه الدرجة متى قطع الأسباب والطلب ، وتعدى تينك الدرجتين ، فتوكله فوق توكل من قبله . وهو إنما يكون بعد معرفته بحقيقة التوكل ، وأنه دون مقامه ، فتكون معرفته به وبحقيقته نازعة - أي باعثة وداعية - إلى تخلصه من علة التوكل ، أي لا يعرف علة التوكل . حتى يعرف حقيقته . فحينئذ يعرف التوكل المعرفة التي تدعوه إلى التخلص من علته . ثم بين المعرفة التي يعلم بها علة التوكل . فقال : « أن يعلم أن ملكة الحق للأشياء ملكة

--> ( 1 ) رضي اللّه عن الشيخ الإمام ابن القيم . فما أبصره بالحق وأهداه إلى سبيله وغفر اللّه لنا وله . وما أحل كلامه هذا ، وأبلغه في النفوذ إلى قلوب المؤمنين .